راضي دياب يكتب: حوكمة الخدمات بين SLA و OLA

كيف تحول المؤسسات وعودها الرقمية إلى التزام مؤسسي قابل للقياس
في عالم الإدارة الحديثة، لم تعد جودة الخدمات مجرد شعارات أو وعود تسويقية، بل أصبحت التزامًا مؤسسيًا يُقاس بالأرقام ويُحاسب عليه بالإجراءات. ومع التحول الرقمي المتسارع، برزت مفاهيم حوكمة الخدمات التقنية بوصفها العمود الفقري لاستمرارية المؤسسات وقدرتها على المنافسة.
وفي قلب هذه الحوكمة تقف وثيقتان أساسيتان:
اتفاقية مستوى الخدمة (Service Level Agreement – SLA) واتفاقية المستوى التشغيلي (Operational Level Agreement – OLA)
اللتان تشكلان معًا أداة قياس، تنفيذ، وحوكمة دقيقة لكل خدمات المؤسسة.
اتفاقية مستوى الخدمة SLA: الوعد المؤسسي المكتوب
SLA هي وثيقة تعاقدية رسمية بين مزود الخدمة والعميل، تحدد مستوى جودة الخدمة، معايير الأداء، مسؤوليات الأطراف، وآليات القياس والمحاسبة. فهي تحول العبارات العامة مثل “نقدم خدمة عالية الجودة” إلى التزامات قابلة للقياس مثل زمن الاستجابة (Response Time)، زمن حل الأعطال (Resolution Time)، ونسبة التوافر أو الإتاحة (Availability).
SLA ليست مجرد بند قانوني، بل أداة حوكمة ورقابة تتيح للإدارة العليا متابعة الأداء، ربط النتائج بالحوافز أو الجزاءات، وتعزيز الشفافية والمساءلة أمام العملاء وأصحاب المصلحة.
مثال عملي: في أحد البنوك الرائدة، ساعدت SLA على تقليل الأعطال الحرجة بنسبة 40٪ خلال عام واحد، مع نسبة توافر خدمة تصل إلى 99.9%، مما عزز ثقة العملاء وسرعة تفاعلهم الرقمي.
اتفاقية المستوى التشغيلي OLA: العمود الفقري الداخلي
الواقع الإداري يكشف مفارقة: كثير من المؤسسات تكتب SLA مثالية، لكنها تعجز عن تنفيذها عمليًا.
هنا تظهر OLA، الوثيقة الداخلية بين الإدارات، والتي تحدد المسؤوليات، آليات التنسيق، والأدوار الدقيقة لتحقيق متطلبات SLA.
OLA هي الاتفاق غير المرئي للعميل، لكنها الأكثر تأثيرًا على
تجربته، فهي تحدد من يحلل الأعطال، ومن يعتمد الحل، ومن ينفذ الإصلاح، وفي أي زمن.
كل مهمة داخلية محسوبة بدقة لضمان التزام SLA خارجيًا.
أهمية استراتيجية: المؤسسات الناضجة لا تترك الأمور للحدس أو الاجتهاد الشخصي؛ كل دقيقة محسوبة، وكل مسؤولية محددة، وكل تصعيد مرسوم في مخطط واضح. وهذا ما يميز المؤسسات التي تحقق جودة خدمة عالية ومستدامة.
التكامل بين SLA و OLA
حوكمة الخدمات التقنية هي الربط المنهجي بين ما نعد به العميل وما نستطيع تنفيذه داخليًا. SLA تمثل الالتزام الخارجي، بينما تمثل OLA الآليات الداخلية لتحقيق هذا الالتزام. أي خلل في OLA يؤدي مباشرة إلى إخفاق SLA، وتراجع رضا العملاء، واهتزاز سمعة المؤسسة.
تطبيق هذه الاتفاقيات ليس مجرد التزام تقني، بل استثمار استراتيجي يعزز استمرارية الأعمال (Business Continuity) والقدرة على مواجهة الأزمات التقنية والتحديات المفاجئة.
الفوائد الاستراتيجية لتطبيق SLA و OLA
1. تحسين جودة الخدمات وتقليل الأعطال والانقطاعات (Service Quality Improvement)
2. تعزيز الثقة مع العملاء (Customer Trust)
3. دعم التحول الرقمي (Digital Transformation Support)
4. تحسين الكفاءة التشغيلية وتنسيق العمل بين الفرق (Operational Efficiency)
5. إدارة المخاطر التقنية وتقليل تأثيرها على الأعمال (Risk Management)
6. ضمان استمرارية الأعمال وحماية السمعة المؤسسية (Business Continuity and Reputation)
التحديات التي تواجه المؤسسات
رغم الفوائد، تواجه المؤسسات عدة تحديات عند تطبيق SLA و OLA:
1. ضعف الثقافة المؤسسية حول إدارة الخدمات الرقمية (Weak IT Service Culture)
2. صعوبة تحديد مؤشرات أداء دقيقة وقابلة للقياس (Measurable KPIs)
3. مقاومة التغيير من قبل الفرق التشغيلية (Change Resistance)
4. نقص أدوات المراقبة والتحكم (Monitoring and Control Limitations)
5. عدم دعم الإدارة العليا لتطبيق الحوكمة بشكل كامل (Lack of Executive Support)
في زمن الاقتصاد الرقمي، لا تُدار الثقة بالنوايا الحسنة، ولا تُقاس الجودة بالشعارات، بل تُدار بالعقود المكتوبة، وتقاس بالمؤشرات، وتُنفذ باتفاقيات تشغيلية صارمة.
المؤسسات التي تدرك أن الجودة عقد مكتوب، والتنفيذ اتفاق داخلي محكم، هي وحدها القادرة على البقاء في سوق تنافسي لا يرحم المتأخرين.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مدير اليوم: هل مؤسستك مستعدة للوفاء بوعودها الرقمية، أم أنها ما زالت تحاول “رؤية ما يمكن فعله”؟
إدارتك للجودة ليست رفاهية، بل أداة استراتيجية للبقاء والمنافسة.
#حوكمة_الخدمات #SLA #OLA #جودة_الخدمات #التحول_الرقمي #إدارة_الأعمال #العمليات_التشغيلية #استمرارية_الأعمال #إدارة_



